
تتجه الهند إلى تعميق شراكاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع كندا وأوروبا وقوى متوسطة أخرى، في مسعى لإعادة صياغة استراتيجيتها الخارجية، وسط ضغوط متزايدة ناتجة عن الرسوم الجمركية الأمريكية من جهة، وتصاعد النفوذ العسكري والاقتصادي الصيني من جهة أخرى.
وتسعى نيودلهي، التي تجد نفسها عالقة بين قوتين عظميين، إلى تنويع علاقاتها الدولية والبحث عن شركاء جدد يوفرون لها هامشًا أوسع من الاستقلالية الاقتصادية والسياسية، بدلًا من الارتهان لمحاور تقليدية باتت أكثر تقلبًا.
تحالفات مع القوى المتوسطة
جاء هذا التحول في أعقاب دعوة أطلقها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي بسويسرا الشهر الماضي، حذّر فيها من اهتزاز النظام العالمي، داعيًا ما وصفها بـ«القوى المتوسطة» إلى تعزيز تعاونها المشترك. واعتُبرت هذه الرسالة موجهة بشكل خاص إلى الهند، التي سارعت إلى التفاعل معها.
ووفقًا لصحيفة «نيويورك تايمز»، باتت نيودلهي أكثر اقتناعًا بأن تعزيز روابطها التجارية مع شركاء متنوعين يمثل خيارًا استراتيجيًا أكثر أمانًا من الانكفاء أو الاعتماد على طرف واحد.
ورغم أن الهند تعد واحدة من أكبر اقتصادات العالم، ويبلغ عدد سكانها نحو 1.4 مليار نسمة، فإنها لا تمتلك مفاتيح حاسمة في سلاسل الإمداد العالمية، مثل تلك التي تسيطر عليها الصين في المعادن النادرة أو تايوان وهولندا في صناعة الرقائق المتقدمة. هذا الواقع، إلى جانب التوسع الصيني في الأسواق العالمية وتعزيز وجوده العسكري قرب الحدود الهندية، دفع نيودلهي إلى البحث عن توازنات جديدة.
اتفاقات كبرى مع أوروبا
في خطوة وُصفت بالمفصلية، أعلن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، إلى جانب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في نيودلهي، التوصل إلى اتفاقية تجارية شاملة طال انتظارها، تتضمن أبعادًا اقتصادية ودفاعية، بعد نحو عقدين من المفاوضات المتعثرة.
وتَعِد هذه الاتفاقية بإنشاء سوق ضخمة تضم قرابة ملياري نسمة، مع خطط لمضاعفة حجم التبادل التجاري بين الجانبين خلال ست سنوات، ما يعكس تحولًا نوعيًا في علاقات الهند مع الاتحاد الأوروبي.
ولم تقتصر التحركات الهندية على أوروبا، إذ أبرمت نيودلهي اتفاقية تجارة حرة مع بريطانيا العام الماضي، بعد سنوات من الجمود، كما وقّعت اتفاقات مماثلة مع سلطنة عمان ونيوزيلندا في ديسمبر الماضي.
نشاط دبلوماسي متسارع
وشهدت الأسابيع الأخيرة زيارات متبادلة مكثفة، حيث استقبلت الهند قادة من ألمانيا واليابان والإمارات والسعودية، ضمن مساعٍ لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري. كما يُنتظر أن يزور الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا نيودلهي في فبراير المقبل، في إطار هذا الحراك الدبلوماسي المتنامي.
ويمثل هذا المسار تحولًا واضحًا في سياسة الحكومة الهندية، التي كانت تميل سابقًا إلى تعزيز الاعتماد على الذات، قبل أن تتجه تدريجيًا نحو الانفتاح وتوسيع شبكة الشراكات الاقتصادية الدولية.
تقارب حذر مع كندا
وفي تطور لافت، تسير العلاقات بين الهند وكندا نحو تهدئة ملحوظة، بعد توتر حاد في أكتوبر 2024 شهد تبادل طرد دبلوماسيين على خلفية قضية مقتل ناشط سيخي قرب فانكوفر. إلا أن مشاركة مودي في قمة مجموعة السبع في ألبرتا، بدعوة من كارني في يونيو 2025، مهدت الطريق لعودة الحوار.
ومن المتوقع أن يقود رئيس الوزراء الكندي وفدًا تجاريًا إلى نيودلهي في مارس المقبل، لبحث اتفاقية جديدة تعزز التعاون الاقتصادي بين البلدين.
البحث عن بدائل للأسواق الأمريكية
وترى الصحيفة الأمريكية أن الرسوم الجمركية الأمريكية كانت العامل الأبرز وراء هذا التحول، بعدما فرضت واشنطن رسومًا مرتفعة على واردات هندية، شملت عقوبات مرتبطة بشراء النفط الروسي، ما ألحق ضررًا بصادرات الهند وأدى إلى تراجع عملتها أمام الدولار.
ورغم ذلك، تمكنت نيودلهي من تقليص الأثر عبر توسيع صادراتها في قطاعات معفاة من الرسوم، وعلى رأسها الإلكترونيات، وتعزيز وجودها في أسواق بديلة، ما ساعد على نمو صادراتها الإجمالية خلال العام الماضي، على الرغم من التحديات.
وبهذا النهج، تسعى الهند إلى إعادة تموضعها في النظام الاقتصادي العالمي، عبر شبكة أوسع من الشراكات، تراهن من خلالها على أن القوة الحقيقية في المرحلة المقبلة ستنبع من تنويع العلاقات، لا من الاصطفاف الحاد مع أي من القوى الكبرى.








